فصل: تفسير الآيات رقم (110- 111)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 91‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ‏(‏89‏)‏ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ‏(‏90‏)‏ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ‏(‏91‏)‏‏}‏

‏{‏وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم‏}‏ أي لا يكسبنكم خلافي إصابة العذاب ‏{‏مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالح‏}‏ وهو الغرق والريح والرجفة ‏{‏وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ‏}‏ في الزمان فهم أقرب الهالكين منكم، أو في المكان فمنازلهم قريبة منكم أو فيما يستحق به الهلاك وهو الكفر والمساوئ‏.‏ وسُوِّي في قريب وبعيد وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما ‏{‏واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ‏}‏ يغفر لأهل الجفاء من المؤمنين ‏{‏وَدُودٌ‏}‏ يحب أهل الوفاء من الصالحين ‏{‏قَالُواْ يا شُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ‏}‏ أي لا نفهم صحة ما تقول وإلا فكيف لا يفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء ‏{‏وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا‏}‏ لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً ‏{‏وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك‏}‏ ولولا عشيرتك لقتلناك بالرجم وهو شر قتلة وكان رهطه من أهل ملتهم فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم ‏{‏وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ‏}‏ أي لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا‏.‏ وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل‏:‏ وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا ولذلك

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 93‏]‏

‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏92‏)‏ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ‏(‏93‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ في جوابهم ‏{‏ياقوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله‏}‏ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب‏.‏ وإنما قال‏:‏ ‏{‏أرهطي أعز عليكم من الله‏}‏ والكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، لأن تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله، وحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله ألا ترى إلى قوله تعالى ‏{‏من يطع الرسول فقد أطاع الله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏‏}‏ واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً‏}‏ ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المبنوذ وراء الظهر لا يعبأ به والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب كقولهم في النسبة إلى الأمس أمسى ‏{‏إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ‏}‏ قد أحاط بأعمالكم علماً فلا يخفى عليه شيء منها‏.‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ‏}‏ هي بمعنى المكان يقال‏:‏ مكان ومكانة ومقام ومقامة، أو مصدر من مكن مكانة فهومكين إذا تمكن من الشيء يعني اعملوا فارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك، والشنآن لي، أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها ‏{‏إِنّى عامل‏}‏ على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني ‏{‏سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ‏}‏ «من» استفهامية معلقة لفعل العلم من عمله فيها كأنه قيل‏:‏ سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه أي يفضحه، وأينا هو كاذب‏.‏ أو موصولة قد عمل فيها كأنه قيل‏:‏ سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب في زعمكم ودعواكم‏.‏ وإدخال الفاء في ‏{‏سوف‏}‏ وصل ظاهر بحرف وضع للوصل، ونزعها وصل تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا‏:‏ فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت‏؟‏ فقال‏:‏ سوف تعلمون‏.‏ والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة وأبلغهما الاستئناف ‏{‏وارتقبوا‏}‏ وانتظروا العاقبة وما أقول لكم ‏{‏إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ‏}‏ منتظر، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب بمعنى الضارب، أو بمعنى المراقب كالعشير بمعنى المعاشر، أو بمعنى المرتقب كالرفيع بمعنى المرتفع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 97‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏94‏)‏ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ‏(‏95‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏96‏)‏ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ‏}‏ صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا‏.‏ وإنما ذكر في آخر قصة عاد ومدين ‏{‏ولما جاء‏}‏ وفي آخر قصة ثمود ولوط ‏{‏فلما جاء‏}‏ لأنهما وقعا بعد ذكر الموعد وذلك قوله‏:‏ ‏{‏إن موعدهم الصبح‏}‏ ‏{‏ذلك وعد غير مكذوب‏}‏ فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب كقولك«وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت»‏.‏ وأما الأخريان فقد وقعتا مبتدأتين فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة ‏{‏فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين‏}‏ الجاثم اللازم لمكانه لا يريم يعني أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو بغتة ‏{‏كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا‏}‏ كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين ‏{‏أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ‏}‏ البعد بمعنى البعد وهو الهلاك كالرشد بمعنى الرشد ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏{‏كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ‏}‏ وَقرئ ‏{‏كما بعُدت‏}‏ والمعنى في البناءين واحد وهو نقيض القرب إلا أنهم فرقوا بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره، فغيروا البناء كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا‏:‏ وعد وأوعد‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا وسلطان مُّبِينٍ‏}‏ المراد به العصا لأنها أبهرها ‏{‏إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فاتبعوا‏}‏ أي الملأ ‏{‏أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ‏}‏ هو تجهيل لمتبعيه حيث تابعوه على أمره وهو ضلال مبين، وذلك أنه ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم، وجاهر بالظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان ومثله بمعزل عن الألوهية‏.‏ وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين وعلموا أن مع موسى الرشد والحق ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط، أو المراد وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 101‏]‏

‏{‏يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ‏(‏98‏)‏ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ‏(‏99‏)‏ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ‏(‏100‏)‏ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة‏}‏ أي يتقدمهم وهم على عقبه تفسيراً له وإيضاحاً أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته والرشد يستعمل في كل ما يحمد ويرتضى كما استعمل الغي في كل ما يذم ويقال قدَمه بمعنى تقدمه ‏{‏فَأَوْرَدَهُمُ النار‏}‏ أدخلهم‏.‏ وجيء بلفظ الماضي لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به فكأنه قيل‏:‏ يقدمهم فيوردهم النار لا محالة يعني كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه ‏{‏وَبِئْسَ الورد‏}‏ المورد و‏{‏المورود‏}‏ الذي وردوه شبه بالفارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردة ثم قال‏:‏ وبئس الورد المورود الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش والنار ضده ‏{‏وَأُتْبِعُواْ فِى هذه‏}‏ أي الدنيا ‏{‏لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة‏}‏ أي يلعنون في الدنيا ويلعنون في الآخرة ‏{‏بِئْسَ الرفد المرفود‏}‏ رفدهم أي بئس العون المعان أو بئس العطاء المعطى ‏{‏ذلك‏}‏ مبتدأ ‏{‏مِنْ أَنْبَاء القرى‏}‏ خبر ‏{‏نَقُصُّهُ عَلَيْكَ‏}‏ خبر بعد خبر أي ذلك النبأ بعض أبناء القرى المهلكة مقصوص عليك ‏{‏مِنْهَا‏}‏ من القرى ‏{‏قَائِمٌ وَحَصِيدٌ‏}‏ أي بعضها باق وبعضها عافي الأثر كالزرع القائم على ساقه والذي حصد والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ‏{‏وَمَا ظلمناهم‏}‏ بإهلاكنا إياهم ‏{‏ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ‏}‏ بارتكاب ما به أهلكوا ‏{‏فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ‏}‏ فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله ‏{‏التى يَدْعُونَ‏}‏ يعبدون وهي حكاية حال ماضية ‏{‏مِن دُونِ الله مِن شَئ لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ‏}‏ عذابه و‏{‏لما‏}‏ منصوب ب ‏{‏ما أغنت‏}‏ ‏{‏وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ‏}‏ تخسير‏.‏ يقال‏:‏ تب إذا خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران يعني وما أفادتهم عبادة غير الله شيئاً بل أهلكتهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏102- 105‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ‏(‏102‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ‏(‏103‏)‏ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ‏(‏104‏)‏ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ‏(‏105‏)‏‏}‏

‏{‏وكذلك‏}‏ محل الكاف الرفع أي ومثل ذلك الأخذ ‏{‏أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ القرى‏}‏ أي أهلها ‏{‏وَهِىَ ظالمة‏}‏ حال من ‏{‏القرى‏}‏ ‏{‏إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ‏}‏ مؤلم شديد صعب على المأخوذ وهذا تحذير لكل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها فعلى كل ظالم أن يبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ‏}‏ فيما قص الله من قصص الأمم الهالكة ‏{‏لآيَةً‏}‏ لعبرة ‏{‏لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة‏}‏ أي اعتقد صحته ووجوده ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى يوم القيامة لأن عذاب الآخرة دل عليه ‏{‏يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس‏}‏ وهو مرفوع بمجموع كما يرفع فعله إذا قلت يجمع له الناس‏.‏ وإنما آثر اسم المفعول على فعله لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم‏.‏ وإنه أثبت أيضاً لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه يجمعون للحساب والثواب والعقاب ‏{‏وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ‏}‏ أي مشهود فيه فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد

‏{‏وَمَا نُؤَخّرُهُ‏}‏ أي اليوم المذكور‏.‏ الأجل يطلق على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها، والعد إنما هو للمدة لا لغايتها ومنتهاها، فمعنى قوله ‏{‏وما نؤخره‏}‏ ‏{‏إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ‏}‏ إلا لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف، أو ما نؤخر هذا اليوم إلا لتنتهي المدة التي ضربناها لبقاء الدنيا ‏{‏يَوْمَ يَأْتِ‏}‏ وبالياء مكي، وافقه أبو عمرو ونافع وعلي في الوصل، وإثبات الياء هو الأصل إذ لا علة توجب حذفها، وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل ونظيره ‏{‏مَا كُنَّا نَبْغِ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 64‏]‏ وفاعل ‏{‏يأت‏}‏ ضمير يرجع إلى قوله ‏{‏يوم مجموع له الناس‏}‏ لا اليوم المضاف إلى ‏{‏يأت‏}‏ و‏{‏يوم‏}‏ منصوب باذكر أو بقوله ‏{‏لاَ تَكَلَّمُ‏}‏ أي لا تتكلم ‏{‏نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ أي لا يشفع أحد إلا بإذن الله، ‏{‏مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏ ‏{‏فَمِنْهُمْ‏}‏ الضمير لأهل الموقف لدلالة ‏{‏لا تكلم نفس‏}‏ عليه وقد مر ذكر الناس في قوله ‏{‏مجموع له الناس‏}‏ ‏{‏شَقِيٌّ‏}‏ معذب ‏{‏وَسَعِيدٌ‏}‏ أي ومنهم سعيد أي منعم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 108‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ‏(‏106‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ‏(‏107‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ‏}‏ هو أول نهيق الحمار ‏{‏وَشَهِيقٌ‏}‏ هو آخره، أو هما إخراج النفس ورده، والجملة في موضع الحال والعامل فيها الاستقرار الذي في النار ‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏ حال مقدرة ‏{‏مَا دَامَتِ السماوات والأرض‏}‏ في موضع النصب أي مدة دوام السماوات والأرض، والمراد سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد‏.‏ والدليل على أن لها سماوات وأرضاً قوله ‏{‏يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 48‏]‏ وقيل‏:‏ ما دام فوق وتحت ولأنه لا بد لأهله الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء أو عرش وكل ما أظلك فهو سماء، أو هو عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع كقول العرب‏:‏ ما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد ‏{‏إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ‏}‏ هو استثناء من الخلود في عذاب النار، وذلك لأن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير وأنواع من العذاب سوى عذاب النار، أو ب ‏{‏ما شاء‏}‏ بمعنى من شاء وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيقال لهم الجهنميون وهم المستثنون من أهل الجنة أيضاً لمفارقتهم إياها بكونهم في النار أياماً، فهؤلاء لم يشقوا شقاوة من يدخل النار على التأبيد، ولا سعدوا سعادة من لا تمسه النار، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك وقتادة رضي الله عنهم ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ‏}‏ بالشقي والسعيد ‏{‏وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ‏}‏ ‏{‏سُعدوا‏}‏ حمزة وعلي وحفص‏.‏ سَعد لازم وسعَده يسعَده متعد ‏{‏فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ‏}‏ هو استثناء من الخلود في نعيم الجنة وذلك أن لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وهو رؤية الله تعالى ورضوانه، أو معناه إلا من شاء أن يعذبه بقدر ذنبه قبل أن يدخله الجنة‏.‏ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «الاستثناء في الآيتين لأهل الجنة» ومعناه ما ذكرنا أنه لا يكون للمسلم العاصي الذي دخل النار خلود في النار حيث يخرج منها، ولا يكون له أيضاً خلود في الجنة لأنه لم يدخل الجنة ابتداء، والمعتزلة لما لم يروا خروج العصاة من النار ردوا الأحاديث المروية في هذا الباب ‏{‏وكفى به إثماً مبيناً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 50‏]‏ ‏{‏عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ‏}‏ غير مقطوع ولكنه ممتد إلى غير نهاية كقوله‏:‏ ‏{‏لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ ‏[‏الإنشقاق‏:‏ 25‏]‏ وهو نصب على المصدر أي أعطوا عطاء‏.‏ قيل‏:‏ كفرت الجهمية بأربع آيات ‏{‏عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ‏}‏‏.‏ ‏{‏أُكُلُهَا دَائِمٌ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 35‏]‏ ‏{‏وَمَا عِندَ الله بَاقٍ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 96‏]‏ ‏{‏لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 33‏]‏ لما قص الله قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحل بهم من نقمه وما أعد لهم من عذابه قال‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ‏(‏109‏)‏‏}‏

‏{‏فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء‏}‏ أي فلا تشك بعدما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة بالانتقام منهم ووعيداً‏.‏ لهم ثم قال‏:‏ ‏{‏ما يعبدون إلاّ كَما يَعبدُ ءَابآؤهم من قَبلُ‏}‏ يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلن بهم مثله، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية و«ما» في ‏{‏مما‏}‏ و‏{‏كما‏}‏ مصدرية أو موصولة أي من عبادتهم وكعبادتهم، أو مما يعبدون من الأوثان ومثل ما يعبدون منها ‏{‏وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ‏}‏ حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم ‏{‏غَيْرَ مَنقُوصٍ‏}‏ حال من ‏{‏نصيبهم‏}‏ أي كاملاً

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 111‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ‏(‏110‏)‏ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏111‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب‏}‏ التوراة ‏{‏فاختلف فِيهِ‏}‏ آمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف في القرآن وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ‏}‏ إنه لا يعاجلهم بالعذاب ‏{‏لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏}‏ بين قوم موسى أو قومك بالعذاب المستأصل ‏{‏وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ‏}‏ من القرآن أو من العذاب ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏ من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي ‏{‏وَإِنَّ كُلاًّ‏}‏ التنوين عوض عن المضاف إليه يعني وإن كلهم أي وإن جميع المختلفين فيه «وإن» مشددة ‏{‏لَّمّاً‏}‏ مخفف‏:‏ بصري وعلي، «ما» مزيدة جيء بها ليفصل بها بين لام «إن» ولام ‏{‏لَيُوَفّيَنَّهُمْ‏}‏ وهو جواب قسم محذوف، واللام في ‏{‏لما‏}‏ موطئة للقسم والمعنى وإن جميعهم والله ليوفينهم ‏{‏رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ‏}‏ أي جزاء أعمالهم من إيمان وجحود وحسن وقبيح‏.‏ بعكس الأولى‏:‏ أبو بكر، مخففان‏:‏ مكي ونافع على إعمال المخففة عمل الثقيلة اعتباراً لأصلها الذي هو التثقيل، ولأن «إن» تشبه الفعل والفعل يعمل قبل الحذف وبعده نحو«لم يكن» «ولم يك» فكذا المشبه به مشددتان غيرهم وهو مشكل‏.‏ وأحسن ما قيل فيه أنه من لممت الشيء جمعته لمَّا، ثم وقف فصار «لما» ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وجاز أن يكون مثل الدعوى والثروى وما نفيه ألف التأنيث من المصادر‏.‏ وقرأ الزهري ‏{‏وإن كلا لما‏}‏ بالتنوين كقوله‏:‏ ‏{‏أَكْلاً لَّمّاً‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 19‏]‏ وهو يؤيد ما ذكرنا والمعنى، وإن كلاً ملمومين أي مجموعين كأنه قيل‏:‏ وإن كلاً جميعاً كقوله ‏{‏فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 30‏]‏ وقال صاحب الإيجاز‏:‏ «لما» فيه معنى الظرف وقد دخل في الكلام اختصار كأنه قيل‏:‏ وإن كلاً لما بعثوا ليوفينهم ربك أعمالهم‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ ليس لي بتشديد «لما» علم‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112- 113‏]‏

‏{‏فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏112‏)‏ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

‏{‏فاستقم كَمَا أُمِرْتَ‏}‏ فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها غير عادل عنها ‏{‏وَمَن تَابَ مَعَكَ‏}‏ معطوف على المستتر في ‏{‏استقم‏}‏ وجاز للفاصل يعني فاستقم أنت وليستقم من تاب عن الكفر ورجع إلى الله مخلصاً ‏{‏وَلاَ تَطْغَوْاْ‏}‏ ولا تخرجوا عن حدود الله ‏{‏إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ فهو مجازيكم فاتقوه‏.‏ قيل‏:‏ ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كانت أشق عليه من هذه الآية ولهذا قال‏:‏ ‏"‏ شيبتني هود ‏"‏ ‏{‏وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ‏}‏ ولا تميلوا‏.‏ قال الشيخ رحمه الله‏:‏ هذا خطاب لأتباع الكفرة أي لا تركنوا إلى القادة والكبراء في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه ‏{‏فَتَمَسَّكُمُ النار‏}‏ وقيل‏:‏ الركون إليهم الرضا بكفرهم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ولا تلحقوا بالمشركين‏.‏ وعن الموفق أنه صلى خلف الإمام فلما قرأ هذه الآية غشي عليه فلما أفاق قيل له فقال‏:‏ هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم‏!‏ وعن الحسن جعل الله الدين بين لاءين ‏{‏ولا تطغوا‏}‏ ‏{‏ولا تركنوا‏}‏ وقال سفيان‏:‏ في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك‏.‏ وعن الأوزاعي‏:‏ ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملاً‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ‏"‏ ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برّية هل يسقى شربة ماء فقال‏:‏ لا، فقيل له‏:‏ يموت قال‏:‏ دعه يموت ‏{‏وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء‏}‏ حال من قوله ‏{‏فتمسكم النار‏}‏ أي فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة، ومعناه وما لكم من دون الله من أولياء يقدرون على منعكم من عذابه ولا يقدر على منعكم منه غيره ‏{‏ثم لا تنصرون‏}‏ ثم لا ينصركم هو لأنه حكم بتعذيبكم‏.‏ ومعنى «ثم» الاستبعاد أي النصرة من الله مستبعدة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 115‏]‏

‏{‏وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ‏(‏114‏)‏ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏115‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار‏}‏ غدوة وعشية ‏{‏وَزُلَفاً مِّنَ اليل‏}‏ وساعات من الليل جمع زلفة وهي ساعاته القريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه‏.‏ وصلاة الغدوة الفجر، وصلاة العشية الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي، وصلاة الزلف المغرب والعشاء، وانتصاب ‏{‏طرفي النهار‏}‏ على الظرف لأنهما مضافان إلى الوقت كقولك «أقمت عنده جميع النهار وأتيته نصف النهار وأوله وآخره»‏.‏ تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه ‏{‏إِنَّ الحسنات يُذْهِبنَ السيئات‏}‏ إن الصلوات الخمس يذهبن الذنوب وفي الحديث ‏"‏ إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب ‏"‏ أو الطاعات‏.‏ قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ أتبع السيئة الحسنة تمحها ‏"‏ أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ‏{‏فاستقم‏}‏ فما بعده أو القرآن ‏{‏ذكرى لِلذكِرِينَ‏}‏ عظة للمتعظين‏.‏ نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري بائع التمر قال لامرأة‏:‏ في البيت تمر أجود فدخلت فقبلها فندم فجاءه حاكياً باكياً فنزلت فقال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ هل شهدت معنا العصر ‏"‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏ هي كفارة لك ‏"‏ فقيل‏:‏ أله خاصة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ بل للناس عامة ‏"‏ ‏{‏واصبر‏}‏ على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه فلا يتم شيء منه إلا به ‏{‏فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين‏}‏ جاء بما هو مشتمل على جميع الأوامر والنواهي من قوله ‏{‏فاستقم‏}‏ إلى قوله ‏{‏واصبر‏}‏ وغير ذلك من الحسنات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏116- 118‏]‏

‏{‏فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ‏(‏116‏)‏ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ‏(‏117‏)‏ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ‏(‏118‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ‏}‏ فهلا كان وهو موضوع للتحضيض ومخصوص بالفعل ‏{‏أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ‏}‏ أولوا فضل وخير، وسمي الفضل والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلاً في الجودة والفضل‏.‏ ويقال‏:‏ فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ومنه قولهم‏:‏ «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا» ‏{‏يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِى الأرض‏}‏ عجب محمداً عليه السلام وأمته أن لم يكن في الأمم التي ذكر الله إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولىِ العقل والدين ينهون غيرهم عن الكفر والمعاصي ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ‏}‏ استثناء منقطع أي ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي‏.‏ و«من» في ‏{‏ممن أنجينا‏}‏ للبيان لا للتبعيض لأن النجاة للناهين وحدهم بدليل قوله‏:‏ ‏{‏أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 165‏]‏ ‏{‏واتبع الذين ظَلَمُواْ‏}‏ أي التاركون للنهي عن المنكر، وهو عطف على مضمر أي قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على «نهوا» ‏{‏مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ‏}‏ أي أتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء، ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونبذوه وراء ظهورهم ‏{‏وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ‏}‏ اعتراض وحكم عليهم بأنهم قوم مجرمون ‏{‏وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى‏}‏ اللام لتأكيد النفي ‏{‏بِظُلْمٍ‏}‏ حال من الفاعل أي لا يصح أن يهلك الله القرى ظالماً لها ‏{‏وَأَهْلُهَا‏}‏ قوم ‏{‏مُصْلِحُونَ‏}‏ تنزيهًا لذاته عن الظلم‏.‏ وقيل‏:‏ الظلم الشرك أي لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون في المعاملات فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فساداً آخر ‏{‏وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏ أي متفقين على الإيمان والطاعات عن اختيار ولكن لم يشأ ذلك‏.‏ وقالت المعتزلة‏:‏ وهي مشيئة قسر، وذلك رافع للابتداء فلا يجوز ‏{‏وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏}‏ في الكفر والإيمان أي ولكن شاء أن يكونوا مختلفين لما علم منهم اختيار ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏119- 123‏]‏

‏{‏إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏119‏)‏ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏120‏)‏ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ‏(‏121‏)‏ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ‏(‏122‏)‏ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ‏}‏ إلا ناساً عصمهم الله عن الاختلاف فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه ‏{‏ولذلك خَلَقَهُمْ‏}‏ أي ولما هم عليه من الاختلاف فعندنا خلقهم للذي علم أنهم سيصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق ولم يخلقهم لغير الذي علم أنهم سيصيرون إليه، كذا في شرح التأويلات ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ‏}‏ وهي قوله للملائكة لأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ‏}‏ لعلمه بكثرة من يختار الباطل‏.‏

‏{‏وَكُلاًّ‏}‏ التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل‏:‏ وكل نبأ وهو منصوب بقوله ‏{‏نَقُصُّ عَلَيْكَ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ أَنْبَاء الرسل‏}‏ بيان لكل وقوله‏:‏ ‏{‏مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ‏}‏ بدل من ‏{‏كلا‏}‏ ‏{‏وَجَاءكَ فِى هذه الحق‏}‏ أي في هذه السورة أو في هذه الأنباء المقتصة ما هو حق ‏{‏وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ومعنى تثبيت فؤاده زيادة يقينه لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب ‏{‏وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ من أهل مكة وغيرهم ‏{‏اعملوا على مَكَانَتِكُمْ‏}‏ على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها ‏{‏إِنَّا عَامِلُونَ‏}‏ على مكانتنا ‏{‏وانتظروا‏}‏ بنا الدوائر ‏{‏إِنَّا مُنتَظِرُونَ‏}‏ أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله تعالى من النقم النازلة بأشباهكم ‏{‏وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض‏}‏ لا تخفى عليه خافية مما يجري فيهما فلا تخفى عليه أعمالكم ‏{‏وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ‏}‏ فلا بد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك فينتقم لك منهم‏.‏ ‏{‏يُرجع‏}‏ نافع وحفص ‏{‏فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ‏}‏ فإنه كافيك وكافلك ‏{‏وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ وبالتاء‏:‏ مدني وشامي وحفص، أي أنت وهم على تغليب المخاطب‏.‏ قيل‏:‏ خاتمة التوراة هذه الآية وفي الحديث «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى»‏.‏

سورة يوسف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ‏(‏1‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏2‏)‏ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏الر تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين‏}‏ ‏{‏تلك‏}‏ إشارة إلى آيات هذه السورة، و‏{‏الكتاب المبين‏}‏ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب، أو التي تبين لمن تدبَّرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبيِّن فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف عليه السلام، فقد رُوي أن علماء اليهود قالوا للمشركين‏:‏ سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف عليه السلام ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا‏}‏ أي أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام في حال كونه قرآناً عربياً، وسمي بعض القرآن قرآنا لأنه اسم جنس يقع على كله وبعضه ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ لكي تفهموا معانيه ‏{‏ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 44‏]‏ ‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص‏}‏ نبين لك أحسن البيان‏.‏ والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها عن الزجاج، وقيل‏:‏ القصص يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص نقول‏:‏ قص الحديث يقصه قصصاً، ويكون فعلاً بمعنى مفعول كالنفض والحسب، فعلى الأول معناه نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص ‏{‏بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرءان‏}‏ أي بإيحائنا إليك هذه السورة على أن يكون ‏{‏أحسن‏}‏ منصوباً نصب المصدر لإضافته إليه والمقصوص محذوف لأن ‏{‏بما أوحينا إليك هذا القرآن‏}‏ مغن عنه‏.‏ والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب فإنك لا ترى اقتصاصه في كتب الأولين مقارباً لاقتصاصه في القرآن‏.‏ وإن أريد بالقصص المقصوص فمعناه نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسن لما يتضمن من العبر والحكم والعجائب التي ليس في غيره‏.‏ والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه كما يقال «فلان أعلم الناس» أي في فنه، واشتقاق القصص من قص أثره إذا تبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً ‏{‏وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ‏}‏ الضمير يرجع إلى ‏{‏ما أوحينا‏}‏ ‏{‏لَمِنَ الغافلين‏}‏ عنه «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية يعني وإن الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الجاهلين به

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ قَالَ‏}‏ بدل اشتمال من ‏{‏أحسن القصص‏}‏ لأن الوقت مشتمل على القصص أو التقدير‏:‏ أذكر إذ قال ‏{‏يُوسُفَ‏}‏ اسم عبراني لا عربي إذ لو كان عربياً لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف ‏{‏لأَبِيهِ‏}‏ يعقوب ‏{‏يَاأبَتِي‏}‏ ‏{‏أبتَ‏}‏ شامي وهي تاء تأنيث عوضت عن ياء الإضافة لتناسبهما، لأن كل واحدة منهما زائدة في آخر الاسم ولهذا قلبت هاء في الوقف‏.‏ وجاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر كما في رجل ربعة، وكسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة‏.‏ ومن فتح التاء فقد حذف الألف من «يا أبتا» واستبقى الفتحة قبلها كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» ‏{‏إِنّى رَأَيْتُ‏}‏ من الرؤيا لا من الرؤية ‏{‏أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا‏}‏ أسماؤها ببيان النبي عليه السلام‏:‏ جريان والذيال والطارق وقابس وعمودان والفليق والمصبح والصروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين ‏{‏والشمس والقمر‏}‏ هما أبواه أو أبوه وخالته والكواكب إخوته‏.‏ قيل‏:‏ الواو بمعنى «مع» أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر‏.‏ وأجريت مجرى العقلاء في ‏{‏رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ‏}‏ لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود وكررت الرؤيا لأن الأولى تتعلق بالذات والثانية بالحال، أو الثانية كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جواباً له كأن أباه قال له‏:‏ كيف رأيتها‏؟‏ فقال‏:‏ رأيتهم لي ساجدين أي متواضعين وهو حال، وكان ابن ثنتي عشرة سنة يومئذ وكان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة أو ثمانون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 6‏]‏

‏{‏قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏5‏)‏ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ يَا بَنِي‏}‏ بالفتح حيث كان‏.‏ حفص ‏{‏لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ‏}‏ هي بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، وفرق بينهما بحر في التأنيث كما في القربة والقربى ‏{‏على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ‏}‏ جواب النهي أي إن قصصتها عليهم كادوك‏.‏ عرف يعقوب عليه السلام أن الله يصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد الإخوة‏.‏ وإنما لم يقل فيكيدوك كما قال ‏{‏فيكدوني‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 55‏]‏ لأنه ضمن معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمن فيكون آكد وأبلغ في التخويف وذلك نحو «فيحتالوا لك» ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر وهو ‏{‏كَيْدًا إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏ ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد والكيد‏.‏

‏{‏وكذلك‏}‏ ومثل ذلك الاجتباء الذي دلت عليه رؤياك ‏{‏يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ‏}‏ يصطفيك، والاجتباء الاصطفاء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته ‏{‏وَيُعَلّمُكَ‏}‏ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل‏:‏ وهو يعلمك ‏{‏مِن تَأْوِيلِ الأحاديث‏}‏ أي تأويل الرؤيا، وتأويلها عبارتها وتفسيرها وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا، أو تأويل أحاديث الأنبياء وكتب الله وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة ‏{‏وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعلى ءالِ يَعْقُوبَ‏}‏ بأن وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة أي جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكاً، ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة‏.‏ وآل يعقوب أهله وهم نسله وغيرهم، وأصل آل أهل بدليل تصغيره على«أهيل» إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر، يقال آل النبي وآل الملك ولا يقال آل الحجام، ولكن أهله، وإنما علم يعقوب أن يوسف يكون نبياً وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب فلذا قال ‏{‏وعلى آل يعقوب‏}‏ ‏{‏كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ‏}‏ أراد الجد وأبا الجد ‏{‏إبراهيم وإسحاق‏}‏ عطف بيان ل ‏{‏أبويك‏}‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ‏}‏ يعلم من يحق له الاجتباء ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ يضع الأشياء في مواضعها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ‏(‏7‏)‏ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏8‏)‏ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ‏}‏ أي في قصتهم وحديثهم ‏{‏ءايات‏}‏ علامات ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شيء‏.‏ ‏{‏آية‏}‏ مكي ‏{‏لّلسَّائِلِينَ‏}‏ لمن سأل عن قصتهم وعرفها، أو آيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب، وأسماؤهم‏:‏ يهوذا وروبين وشمعون ولاوي وزبولون ويشجر وأمهم ليا ليان، ودان ونفتالي وجاد وآشر من سريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف‏.‏

‏{‏إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىَّ أَبِينَا مِنَّا‏}‏ اللام لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة، أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لاشبهة فيه‏.‏ وإنما قالوا ‏{‏وأخوه‏}‏ وهم إخوته أيضاً لأن أمهما كانت واحدة، وإنما قيل ‏{‏أحب‏}‏ في الاثنين لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه ولا بين المذكر والمؤنث، ولا بد من الفرق مع لام التعريف وإذا أضيف ساغ الأمران‏.‏ والواو في ‏{‏وَنَحْنُ عُصْبَةٌ‏}‏ للحال أي أنه يفضلهما في المحبة علينا وهما صغيران لا كفاية فيهما ونحن عشرة رجال كفاة نقوم بمرافقه، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما ‏{‏إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ غلط في تدبير أمر الدنيا ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا‏.‏ والعصبة العشرة فصاعدا ‏{‏اقتلوا يُوسُفَ‏}‏ من جملة ما حكى بعد قوله ‏{‏إذ قالوا‏}‏ كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال‏:‏ لا تقتلوا يوسف وقيل‏:‏ الآمر بالقتل شمعون والباقون كانوا راضين فجعلوا آمرين ‏{‏أَوِ اطرحوه أَرْضًا‏}‏ منكورة مجهولة بعيدة عن العمران وهو معنى تنكيرها وإخلائها عن الوصف ولهذا الإبهام نصبت نصب الظروف المبهمة ‏{‏يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ‏}‏ يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه، وجاز أن يراد بالوجه الذات كما قال ‏{‏ويبقى وجه ربك‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 27‏]‏ ‏{‏وَتَكُونُواْ‏}‏ مجزوم عطفاً على ‏{‏يخل لكم‏}‏ ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏ من بعد يوسف أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو من بعد قتله أو طرحه فيرجع الضمير إلى مصدر «اقتلوا» أو «اطرحوا» ‏{‏قَوْمًا صالحين‏}‏ تائبين إلى الله مما جنيتم عليه أو يصلح حالكم عند أبيكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 12‏]‏

‏{‏قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ‏(‏10‏)‏ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ‏(‏11‏)‏ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ‏}‏ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً ‏{‏لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ‏}‏ فإن القتل عظيم ‏{‏وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب‏}‏ في قعر البئر وما غاب منه عن عين الناظر‏.‏ غيابات وكذا ما بعده‏:‏ مدني ‏{‏يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة‏}‏ بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق ‏{‏إِن كُنتُمْ فاعلين‏}‏ به شيئاً ‏{‏قَالُواْ يأَبَانَا مالك لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لناصحون‏}‏ أي لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونشفق، عليه وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم وفيه دليل على أنه أحسن منهم، بما أوجب أن لا يأمنهم عليه ‏{‏أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ‏}‏ نرتع نتسع في أكل الفواكه وغيرها والرتعة السعة ‏{‏وَيَلْعَبْ‏}‏ ونلعب نتفرج بما يباح كالصيد والرمي والركض‏.‏ بالياء فيهما مدني وكوفي، وبالنون فيهما‏:‏ مكي وشامي وأبو عمرو، وبكسر العين‏:‏ حجازي من ارتعى يرتعي افتعال من الرعي ‏{‏وَإِنَّا لَهُ لحافظون‏}‏ من أن يناله مكروه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 15‏]‏

‏{‏قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ‏(‏13‏)‏ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏14‏)‏ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ‏}‏ أي يحزنني ذهابكم به واللام لام الابتداء ‏{‏وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافلون‏}‏ اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة وأنه يخاف عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم ‏{‏قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب‏}‏ اللام موطئة للقسم والقسم محذوف تقديره والله لئن أكله الذئب‏.‏ والواو في ‏{‏وَنَحْنُ عُصْبَةٌ‏}‏ أي فرقة مجتمعة مقتدرة على الدفع للحال ‏{‏إِنَّا إِذَا لخاسرون‏}‏ جواب للقسم مجزئ عن جزاء الشرط أي إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها، وأجابوا عن عذره الثاني دون الأول لأن ذلك كان يغيظهم‏.‏

‏{‏فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب‏}‏ أي عزموا على إلقائه في البئر وهي بئر على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام، وجواب «لما» محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وضربوه وكادوا يقتلونه فمنعهم يهوذا، أرداوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم فيحتالوا به على أبيهم ودلوه في البئر، وكان فيها ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي وكان يهوذا يأتيه بالطعام‏.‏ ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فأخرجه جبريل وألبسه إياه ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ‏}‏ قيل‏:‏ أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهما السلام‏.‏ وقيل‏:‏ كان إذ ذاك مدركاً ‏{‏لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا‏}‏ أي لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ‏{‏وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏ أنك يوسف لعلو شأنك وكبرياء سلطانك، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يديه ثم نقره فطن فقال‏:‏ إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وأنكم ألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس، أو يتعلق ‏{‏وهم لا يشعرون‏}‏ ب ‏{‏أوحينا‏}‏ أي آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة ولا يشعرون بذلك‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 18‏]‏

‏{‏وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ‏(‏16‏)‏ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ‏(‏17‏)‏ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاء‏}‏ للاستتار والتجسر على الاعتذار ‏{‏يَبْكُونَ‏}‏ حال عن الأعمش لا تصدق باكية بعد إخوة يوسف، فلما سمع صوتهم فزع وقال ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فما بالكم وأين يوسف‏؟‏ ‏{‏قَالُواْ يا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ‏}‏ أي نتسابق في العدو أو في الرمي‏.‏ والافتعال والتفاعل يشتركان كالإرتماء والترامي وغير ذلك ‏{‏وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا‏}‏ بمصدق لنا ‏{‏وَلَوْ كُنَّا صادقين‏}‏ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا‏؟‏‏!‏ ‏{‏وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ‏}‏ ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته‏.‏ رُوي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوا القميص بدمها وزل عنهم أن يمزقوه، ورُوي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال‏:‏ أين القيمص، فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال‏:‏ تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم، من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه‏.‏ وقيل‏:‏ كان في قميص يوسف ثلاث آيات كان دليلاً ليعقوب على كذبهم ‏{‏وألقاه على وجهه فارتد بصيراً‏}‏ ودليلاً على براءة يوسف حين قد من دبره‏.‏ ومحل ‏{‏على قميصه‏}‏ النصب على الظرف كأنه قيل‏:‏ وجاؤا فوق قميصه بدم ‏{‏قَالَ‏}‏ يعقوب عليه السلام ‏{‏بَلْ سَوَّلَتْ‏}‏ زينت أو سهلت ‏{‏لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا‏}‏ عظيماً ارتكبتموه ‏{‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‏}‏ خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً أي فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل وهو ما لا شكوى فيه إلى الخلق ‏{‏والله المستعان‏}‏ أي استعينه ‏{‏على‏}‏ احتمال ‏{‏مَا تَصِفُونَ‏}‏ من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 20‏]‏

‏{‏وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏19‏)‏ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ‏}‏ رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران وكان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف ‏{‏فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ‏}‏ هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم اسمه مالك بن ذعر الخزاعي ‏{‏فأدلى دَلْوَهُ‏}‏ أرسل الدلو ليملأَها فتشبث يوسف بالدلو فنزعوه ‏{‏قَالَ بُشْرىً‏}‏ كوفي نادى البشرى كأنه يقول‏:‏ تعالى فهذا أوانك‏.‏ غيرهم ‏{‏بشراي‏}‏ على إضافتها لنفسه أو هو اسم غلامه فناداه مضافاً إلى نفسه ‏{‏هذا غُلاَمٌ‏}‏ قيل‏:‏ ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به ‏{‏وَأَسَرُّوهُ‏}‏ الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة، أو لأخوة يوسف فإنهم قالوا للرفقة‏:‏ هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه ‏{‏بضاعة‏}‏ حال أي أخفوه متاعاً للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة أي قطع ‏{‏والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ‏}‏ بما يعمل أخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع ‏{‏وَشَرَوْهُ‏}‏ وباعوه ‏{‏بِثَمَنٍ بَخْسٍ‏}‏ مبخوس ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً أو زيف ‏{‏دراهم‏}‏ بدل من ‏{‏ثمن‏}‏ ‏{‏مَّعْدُودَةً‏}‏ قليلة تعد عداً ولا توزن لأنهم كانوا يعدون ما دون الأربعين ويزنون الأربعين وما فوقها وكانت عشرين درهماً ‏{‏وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين‏}‏ ممن يرغب عما في يده فيبيعه بالثمن الطفيف، أو معنى ‏{‏وشروه‏}‏ واشتروه يعني الرفقة من إخوته ‏{‏وكانوا فيه من الزاهدين‏}‏ أي غير راغبين لأنهم اعتقدوا أنه آبق‏.‏ ويُروى أن إخوته اتبعوهم وقالوا‏:‏ استوثقوا منه لا يأبق‏.‏ و‏{‏فيه‏}‏ ليس من صلة ‏{‏الزاهدين‏}‏ أي غير راغبين لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، وإنما هو بيان كأنه قيل‏:‏ في أي شيء زهدوا‏؟‏ فقال‏:‏ زهدوا فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 22‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏21‏)‏ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذى اشتراه مِن مّصْرَ‏}‏ هو قطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد وقد آمن بيوسف ومات في حياته واشتراه العزيز برَنته ورقاً وحريراً ومسكاً وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ‏{‏لاِمْرَأَتِهِ‏}‏ راعيل أو زليخا واللام متعلقة ب ‏{‏قال‏}‏ لا ب ‏{‏اشتراه‏}‏ ‏{‏أَكْرِمِى مَثْوَاهُ‏}‏ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسنا مرضياً بدليل قوله ‏{‏إنه ربي أحسن مثواي‏}‏ وعن الضحاك‏:‏ بطيب معاشه ولين لباسه ووطئ فراشه ‏{‏عسى أَن يَنفَعَنَا‏}‏ لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله ‏{‏أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا‏}‏ أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قطفير عقيماً وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك ‏{‏وكذلك‏}‏ إشارة إلى ما تقدم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه‏.‏ والكاف منصوب تقديره ومثل ذلك الإنجاء والعطف ‏{‏مَكَّنَّا لِيُوسُفَ‏}‏ أي كما أنجيناه وعطَّفنا عليه العزيز كذلك مكنا له ‏{‏فِي الأرض‏}‏ أي أرض مصر وجعلناه ملكاً يتصرف فيها بأمره ونهيه ‏{‏وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث‏}‏ كان ذلك الإنجاء والتمكين ‏{‏والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ‏}‏ لا يمنع عما شاء أو على أمر يوسف بتبليغه ما أراد له دون ما أراد إخوته ‏{‏ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ذلك ‏{‏وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏}‏ منتهى استعداد قوته وهو ثمان عشرة سنة أو إحدى وعشرون ‏{‏آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا‏}‏ حكمة وهو العلم مع العمل واجتناب ما يجهل فيه أو حكماً بين الناس وفقهاً ‏{‏وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين‏}‏ تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 24‏]‏

‏{‏وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏23‏)‏ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ‏}‏ أي طلبت يوسف أن يواقعها والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت فعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحمل لمواقعته إياها ‏{‏وَغَلَّقَتِ الأبواب‏}‏ وكانت سبعة ‏{‏وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ‏}‏ هو اسم لتعال وأقبل وهو مبني على الفتح ‏{‏هيتُ‏}‏ مكي بناه على الضم، ‏{‏هِيتَ‏}‏ مدني وشامي واللام للبيان كأنه قيل لك أقول هذا كما تقول هلم لك ‏{‏قَالَ مَعَاذَ الله‏}‏ أعوذ بالله معاذاً ‏{‏إنَّهُ‏}‏ أي إن الشأن والحديث ‏{‏رَبّي‏}‏ سيدي ومالكي يريد قطفير ‏{‏أَحْسَنَ مَثْوَايَّ‏}‏ حين قال لك ‏{‏أكرمي مثواه‏}‏ فما جزاؤه أن إخوته في أهله ‏{‏إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون‏}‏ الخائبون أو الزناة، أو أراد بقوله ‏{‏إنه ربي‏}‏ الله تعالى لأنه مسبب الأسباب ‏{‏وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ‏}‏ هم عزم ‏{‏وَهَمَّ بِهَا‏}‏ هم الطباع مع الامتناع قاله الحسن‏.‏ وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله‏:‏ وهم بها هم خطرة ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه، ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين‏.‏ وقيل‏:‏ همَّ بها وشارف أن يهم بها، يقال‏:‏ هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه‏.‏ وجواب ‏{‏لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ‏}‏ محذوف أي لكان ما كان‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏وهمّ بها‏}‏ جوابه ولا يصح، لأن جواب «لولا» لا يتقدم عليها لأنه في حكم الشرط وله صدر الكلام والبرهان الحجة‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏وهم بها‏}‏ داخلاً في حكم القسم في قوله ‏{‏ولقد همت به‏}‏ ويجوز أن يكون خارجاً‏.‏ ومن حق القارئ إذا قدر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على ‏{‏به‏}‏ ويبتدئ بقوله ‏{‏وهم بها‏}‏ وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين‏.‏ وفسر همَّ يوسف بأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر البرهان بأنه سمع صوتاً إياك وإياها مرتين فسمع ثالثاً أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته، وهو باطل، ويدل على بطلانه قوله ‏{‏هي روادتني عن نفسي‏}‏ ولو كان ذلك منه أيضاً لما برأ نفسه من ذلك، وقوله ‏{‏كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء‏}‏ ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفاً عنه وقوله ‏{‏ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب‏}‏ ولو كان كذلك لخانه بالغيب، وقوله ‏{‏مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء‏}‏ ‏{‏الآن حصص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين‏}‏ ولأنه لو وجد منه ذلك لذكرت توبته واستغفاره كما كان لآدم ونوح وذي النون وداود عليهم السلام، وقد سماه الله مخلصاً فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظراً في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء‏.‏ ومحل الكاف في ‏{‏كذلك‏}‏ نصب أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه، أو رفع أي الأمر مثل ذلك ‏{‏لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء‏}‏ خيانة السيد

‏{‏والفحشاء‏}‏ الزنا ‏{‏إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين‏}‏ بفتح اللام حيث كان‏:‏ مدني وكوفي أي الذين أخلصهم الله لطاعته، وبكسرها غيرهم أي الذين أخلصوا دينهم لله‏.‏ ومعنى ‏{‏من عبادنا‏}‏ بعض عبادنا أي هومخلص من جملة المخلصين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏واستبقا الباب‏}‏ وتسابقا إلى الباب، هي للطلب وهو للهرب، على حذف الجار وإيصال الفعل كقوله ‏{‏واختار موسى قَوْمَهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 155‏]‏ أو على تضمين ‏{‏استبقا‏}‏ معنى ابتدارا ففر منها يوسف فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج ووحد الباب وإن كان جمعه في قوله ‏{‏وغلقت الأبواب‏}‏ لأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار ولما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج ‏{‏وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ‏}‏ اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه ‏{‏وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لُّدّاً الباب‏}‏ وصادفا بعلها قطفير مقبلاً يريد أن يدخل، فلما رأته احتالت لتبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة ولتخويف يوسف طمعاً في أن يواطئها خيفة منها ومن مكرها حيث ‏{‏قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ «ما» نافيه أي ليس جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم وهو الضرب بالسياط، ولم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءً لأنها قصدت العموم أي كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب، لأن ذلك أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف‏.‏ ولما عرضته للسجن والعذاب ووجب عليه الدفع عن نفسه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 31‏]‏

‏{‏قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏26‏)‏ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏27‏)‏ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ‏(‏28‏)‏ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ‏(‏29‏)‏ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏30‏)‏ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى‏}‏ لولا ذلك لكتم عليها ولم يفضحها ‏{‏وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا‏}‏ هو ابن عم لها، وإنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف‏.‏ وقيل‏:‏ كان ابن خال لها وكان صبياً في المهد‏.‏ وسمي قوله شهادة لأنه أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها ‏{‏إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذبين وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصادقين‏}‏ والتقدير‏:‏ وشهد شاهد فقال‏:‏ إن كان قميصه‏:‏ وإنما دل قدّ قميص من قبل على أنها صادقة لأنه يسرع خلفها ليلحقها فيعثر في مقادم قميصه فيشقه، ولأنه يقبل عليها وهي تدفعه عن نفسه فيتخرق قميصه من قبل‏.‏ وأما تنكير ‏{‏قبل‏}‏ و‏{‏دبر‏}‏ فمعناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر، وإنما جمع بين «إن» التي للاستقبال وبين «كان» لأن المعنى أن يعلم أنه كان قميصه قد‏.‏

‏{‏فَلَماَّ رَأَى‏}‏ قطفير ‏{‏قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ‏}‏ وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها

‏{‏قَالَ إِنَّهُ‏}‏ إن قولك ‏{‏ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً‏}‏ أو إن هذا الأمر وهو الاحتيال لنيل الرجال ‏{‏مِن كَيْدِكُنَّ‏}‏ الخطاب لها ولأمتها ‏{‏إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏}‏ لأنهن ألطف كيداً وأعظم حيلة وبذلك يغلبن الرجال، والقصريات منهن معهن ما ليس مع غيرهن من البوائق‏.‏ وعن بعض العلماء‏:‏ إني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ كَيْدَ الشيطان ضَعِيفاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 76‏]‏ وقال لهن ‏{‏إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏}‏ ‏{‏يُوسُفَ‏}‏ حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث، وفيه تقريب له وتلطيف لمحله ‏{‏أَعْرِضْ عَنْ هذا‏}‏ الأمر واكتمه ولا تتحدث به‏.‏ ثم قال لراعيل ‏{‏واستغفرى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين‏}‏ من جملة القوم المتعمدين للذنب‏.‏ يقال‏:‏ خطئ إذا أذنب متعمداً، وإنما قال بلفظ التذكير تغليباً للذكر على الإناث، وكان العزيز رجلاً حليماً قليل الغيرة حيث اقتصر على هذا القول‏.‏

‏{‏وَقَالَ نِسْوَةٌ‏}‏ جماعة من النساء وكن خمساً‏:‏ امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب‏.‏ والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثها غير حقيقي ولذا لم يقل قالت وفيه لغتان كسر النون وضمها ‏{‏فِى المدينة‏}‏ في مصر ‏{‏امرأت العزيز‏}‏ يردن قطفير، والعزيز الملك بلسان العرب ‏{‏تُرَاوِدُ فتاها‏}‏ غلامها يقال فتاي وفتاتي أي غلامي وجاريتي ‏{‏عَن نَّفْسِهِ‏}‏ لتنال شهوتها منه ‏{‏قَدْ شَغَفَهَا حُبّا‏}‏ تمييز أي قد شغفها حبه يعني خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب أو جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب ‏{‏إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ في خطأ وبعد عن طريق الصواب ‏{‏فَلَمَّا سَمِعَتْ‏}‏ راعيل ‏{‏بِمَكْرِهِنَّ‏}‏ باغتيابهن وقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها‏.‏

وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحال غيبة كما يخفي الماكر مكره‏.‏ وقيل كانت استكتمتهن سرها فأفشينه عليها ‏{‏أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ‏}‏ دعتهن‏.‏ قيل‏:‏ دعت أربعين امرأة منهن الخمس المذكورات ‏{‏وَأَعْتَدَتْ‏}‏ وهيأت افتعلت من العتاد ‏{‏لَهُنَّ مُتَّكَئاً‏}‏ ما يتكئن عليه من نمارق قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات والسكاكين في أيديهن أن يدهشن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها‏.‏ لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده ‏{‏وآتت كل واحدة منهن سكيناً‏}‏ وكانوا لا يأكلون في ذلك الزمان إلا بالسكاكين كفعل الأعاجم ‏{‏وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ‏}‏ بكسر التاء‏:‏ بصري وعاصم وحمزة، وبضمها غيرهم‏.‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ‏}‏ أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق، وكان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء، وكان إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، وكان يشبه آدم يوم خلقه ربه‏.‏ وقيل‏:‏ ورث الجمال من جدته سارة‏.‏ وقيل ‏{‏أكبرن‏}‏ بمعنى حضن والهاء للسكت، إذ لا يقال النساء قد حضنه لأنه لا يتعدى إلى مفعول، يقال‏:‏ أكبرت المرأة حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله‏:‏

خف الله واستر ذا الجمال ببرقع *** فإن لحت حاضت في الخدور العواتق

‏{‏وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ‏}‏ وجرحنها كما تقول‏:‏ كنت أقطع اللحم فقطعت يدي تريد جرحتها أي أردن أن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فدهشن لما رأينه فخدشن أيديهن ‏{‏وَقُلْنَ حاش لِلَّهِ‏}‏ «حاشا» كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء تقول‏:‏ أساء القوم حاشا زيد‏.‏ وهي حرف من حروف الجر فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى حاشا لله براءة الله وتنزيه الله‏.‏ وقراءة أبي عمرو «حاشا لله» نحو قولك سقيا لك، كأنه قال براءة، ثم قال‏:‏ الله، لبيان من يبرأ وينزه، وغيره ‏{‏حاش لله‏}‏ بحذف الألف الأخيرة والمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله ‏{‏مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ‏}‏ نفين عنه البشرية لغرابة جماله وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 33‏]‏

‏{‏قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ ‏(‏32‏)‏ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَتْ فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ‏}‏ تقول هو ذلك العبد الكنعناني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه، تعني إنكن لم تصوّرنه حتى صورته وإلا لتعذرنني في الافتتان به ‏{‏وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم‏}‏ والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وهذا بيان جلي على أن يوسف عليه السلام بريء مما فسر به أولئك الفريق الهم والبرهان‏.‏ ثم قلن له‏:‏ أطع مولاتك، فقالت راعيل‏:‏ ‏{‏وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ‏}‏ الضمير راجع إلى «ما» هي موصولة، والمعنى ما آمره به‏.‏ فحذف الجار كما في قوله «أمرتك الخير» أو «ما» مصدرية والضمير يرجع إلى يوسف أي ولئن لم يفعل أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ‏{‏لَيُسْجَنَنَّ‏}‏ ليحبسن والألف في ‏{‏وَلَيَكُونًا‏}‏ بدل من النون التأكيد الخفيفة ‏{‏مِنَ الصاغرين‏}‏ مع السراق والسفاك والأباق كما سرق قلبي وأبق مني وسفك دمي بالفراق، فلا يهنأ ليوسف الطعام والشراب والنوم هنالك كما منعني هنا كل ذلك، ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير أميراً حصل في الحصير على الحصير حسيراً‏.‏ فلما سمع يوسف تهديدها‏.‏

‏{‏قَالَ رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ‏}‏ أسند الدعوة إليهن لأنهن قلن له ما عليك لو أجبت مولاتك، أو افتتنت كل واحدة به فدعته إلى نفسها سراً فالتجأ إلى ربه، قال رب السجن أحب إلي من ركوب المعصية ‏{‏وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ‏}‏ فزع منه إلى الله في طلب العصمة ‏{‏أَصْبُ إِلَيْهِنَّ‏}‏ أمل إليهن‏.‏ والصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها ‏{‏وَأَكُن مّنَ الجاهلين‏}‏ من الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لم يعلم سواء، أو من السفهاء، فلما كان في قوله ‏{‏وإلا تصرف عني كيدهن‏}‏ معنى طلب الصرف والدعاء قال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 36‏]‏

‏{‏فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏34‏)‏ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ‏(‏35‏)‏ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏فاستجاب لَهُ رَبُّهُ‏}‏ أي أجاب الله دعاءه ‏{‏فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السميع‏}‏ لدعوات الملتجئين إليه ‏{‏العليم‏}‏ بحاله وحالهن ‏{‏ثُمَّ بَدَا لَهُمْ‏}‏ فاعله مضمر لدلالة ما يفسر عليه وهو ‏{‏ليسجننه‏}‏ والمعنى بدا لهم بداء أي ظهر لهم رأي، والضمير في ‏{‏لهم‏}‏ للعزيز وأهله ‏{‏مِنْ بَعْدَمَا رَأَوُاْ الآيات‏}‏ وهي الشواهد على براءته كقد القميص وقطع الأيدي وشهادة الصبي وغير ذلك ‏{‏لَيَسْجُنُنَّهُ‏}‏ لإبداء عذر الحال وإرخاء الستر على القيل والقال، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها وكان مطواعاً لها وحميلاً ذلولاً، زمامه في يديها وقد طمعت أن يذلله السجن ويسخره لها، أو خافت عليه العيون وظنت فيه الظنون فألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس، إلى أن رضيت بالحجاب، مكان خوف الذهاب، لتشتفي بخبره، إذا منعت من نظره ‏{‏حتى حِينٍ‏}‏ إلى زمان كأنها اقترحت أن يسجن زماناً حتى تبصر ما يكون منه‏.‏

‏{‏وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ‏}‏ عبدان للملك خبازه وشرابيه بتهمة السم، فأدخلا السجن ساعة أدخل يوسف لأن «مع» يدل على معنى الصحبة تقول‏:‏ خرجت مع الأمير تريد مصاحباً له فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له ‏{‏قَالَ أَحَدُهُمَا‏}‏ أي شرابيه ‏{‏إِنّى أَرَانِى‏}‏ أي في المنام وهي حكاية حال ماضية ‏{‏أَعْصِرُ خَمْرًا‏}‏ أي عنباً تسمية للعنب بما يؤول إليه أو الخمر بلغة عمان اسم للعنب ‏{‏وَقَالَ الآخر‏}‏ أي خبازه ‏{‏إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ‏}‏ بتأويل ما رأيناه ‏{‏إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين‏}‏ من الذين يحسنون عبارة الرؤيا أو من المحسنين إلى أهل السجن فإنك تداوي المريض وتعزي الحزين وتوسع على الفقير، فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا‏.‏ وقيل‏:‏ إنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي‏:‏ إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطفتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته، وقال الخباز‏:‏ إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، فإذا سباع الطير تنهش منها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 38‏]‏

‏{‏قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ‏(‏37‏)‏ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ‏}‏ أي لبيان ماهيته وكيفيته لأن ذلك يشبه تفسير المشكل ‏{‏قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا‏}‏ ولما استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ويقول‏:‏ يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيكون كذلك وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك‏.‏ وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده، وغرضه أن يقتبس منه، لم يكن من باب التزكية ‏{‏ذلكما‏}‏ إشارة لهما إلى التأويل أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات ‏{‏مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى‏}‏ وأوحى به إلي ولم أقله عن تكهن وتنجم ‏{‏إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون‏}‏ يجوز أن يكون كلاماً مبتدأ وأن يكون تعليلاً لما قبله أي علمني ذلك وأوحى به إلي لأني رفضت ملة أولئك وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم ‏{‏واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ‏}‏ وهي الملة الحنيفية‏.‏ وتكرير «هم» للتوكيد وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله، والمراد به ترك الابتداء لا أنه كان فيه ثم تركه ‏{‏مَا كَانَ لَنَا‏}‏ ما صح لنا معشر الأنبياء ‏{‏أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَئ‏}‏ أي شيء كان صنماً أو غيره‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ التوحيد ‏{‏مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ‏}‏ فضل الله فيشركون به ولا ينتهون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 41‏]‏

‏{‏يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ‏(‏39‏)‏ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏40‏)‏ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏ياصاحبى السجن‏}‏ يا ساكني السجن كقوله ‏{‏أصحاب النار‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 39‏]‏ و‏{‏أصحاب الجنة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 82‏]‏ ‏{‏أأرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار‏}‏ يريد التفرق في العدد والتكاثر أي أن تكون أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خير لكما أم يكون لكما رب واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية‏؟‏ وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام ‏{‏مَا تَعْبُدُونَ‏}‏ خطاب لهما ولمن كان على دينهما من أهل مصر ‏{‏مِن دُونِهِ‏}‏ من دون الله ‏{‏إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم‏}‏ أي سميتم مالا يستحق الإلهية آلهة ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء لا مسميات لها، ومعنى ‏{‏سميتموها‏}‏ سميتم بها يقال‏:‏ سميته زيداً وسميته يزيد ‏{‏مَّا أَنزَلَ الله بِهَا‏}‏ بتسميتها ‏{‏مّن سلطان‏}‏ حجة ‏{‏إِنِ الحكم‏}‏ في أمر العبادة والدين ‏{‏إلاَ لِلَّهِ‏}‏ ثم بين ما حكم به فقال ‏{‏أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلك الدين القيم‏}‏ الثابت الذي دلت عليه البراهين ‏{‏ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ وهذا يدل على أن العقوبة تلزم العبد وإن جهل إذا أمكن له العلم بطريقه‏.‏

ثم عبر الرؤيا فقال ‏{‏ياصاحبى السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا‏}‏ يريد الشرابي ‏{‏فَيَسْقِى رَبَّهُ‏}‏ سيده ‏{‏خَمْرًا‏}‏ أي يعود إلى عمله ‏{‏وَأَمَّا الآخر‏}‏ أي الخباز ‏{‏فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ‏}‏ روي أنه قال للأول‏:‏ ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه‏.‏ وقال للثاني‏:‏ ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل‏.‏ ولما سمع الخباز صلبه قال‏:‏ ما رأيت شيئاً فقال يوسف ‏{‏قُضِىَ الأمر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ‏}‏ أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 43‏]‏

‏{‏وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ‏(‏42‏)‏ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا‏}‏ الظان هو يوسف عليه السلام إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي أو يكون الظن بمعنى اليقين ‏{‏اذكرنى عِندَ رَبّكَ‏}‏ صفني عند الملك بصفتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني من هذه الورطة ‏{‏فَأَنْسَاهُ الشيطان‏}‏ فأنسى الشرابي ‏{‏ذِكْرَ رَبّهِ‏}‏ أن يذكره لربه أو عند ربه، أو فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره، وفي الحديث ‏"‏ رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً ‏"‏ ‏{‏فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ‏}‏ أي سبعاً عند الجمهور والبضع ما بين الثلاث إلى التسع‏.‏

‏{‏وَقَالَ الملك إِنّى أرى سَبْعَ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات‏}‏ لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته، رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها‏.‏ فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها‏.‏ وقيل‏:‏ كان ابتداء بلاء يوسف في الرؤيا ثم كان سبب نجاته أيضاً الرؤيا‏.‏ سمان جمع سمين وسمينة، والعجاف‏:‏ المهازيل والعجف الهزال الذي ليس بعده سمانة، والسبب في وقوع عجاف جمعاً لعجفاء وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال حمله على نقيضه وهو سمان، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض‏.‏ وفي الآية دلالة على أن السنبلات اليابسة كانت سبعاً كالخضر لأن الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع ويكون قوله ‏{‏وآخر يابسات‏}‏ بمعنى وسبعاً أخر ‏{‏ياأيها الملأ‏}‏ كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء

‏{‏أَفْتُونِى فِى رؤياى إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ‏}‏ اللام في ‏{‏للرؤيا‏}‏ للبيان، كقوله ‏{‏وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين‏}‏ أو لأن المفعول به إذا تقدم على الفعل لم يكن في قوته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه فعضد بها، تقول‏:‏ عبرت الرؤيا وللرؤيا عبرت، أو يكون ‏{‏للرؤيا‏}‏ خبر «كان» كقولك «كان فلان لهذا الأمر» إذا كان مستقلاً به متمكناً منه، و‏{‏تعبرون‏}‏ خبر آخر أو حال‏.‏ وحقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها كما تقول «عبرت النهر» إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه «أولت الرؤيا» إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها‏.‏ وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد والتعبير والمعبر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 45‏]‏

‏{‏قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ‏(‏44‏)‏ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ‏}‏ أي هي أضغاث أحلام أي تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان‏.‏ وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات وحزم من أنواع الحشيش، الواحد ضغث فاستعيرت لذلك، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام‏.‏ وإنما جمع وهو حلم واحد تزايداً في وصف الحلم بالبطلان، وجاز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين‏}‏ أرادوا بالأحلام المنامات الباطلة، فقالوا‏:‏ ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة أو اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بخابرين‏.‏

‏{‏وَقَالَ الذى نَجَا‏}‏ من القتل ‏{‏مِنْهُمَا‏}‏ من صاحبي السجن ‏{‏وادكر‏}‏ بالدال هو الفصيح وأصله «اذتكر» فأبدلت الذال دالاً والتاء دالاً وأدغمت الأولى في الثانية ليتقارب الحرفين‏.‏ وعن الحسن‏:‏ «واذكر» ووجهه أنه قلب التاء ذالاً وأدغم أي تذكر يوسف وما شاهد منه ‏{‏بَعْدَ أُمَّةٍ‏}‏ بعد مدة طويلة وذلك أنه حين استفتى الملك في رؤياه وأعضل على الملك تأويلها تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه وطلبه إليه أن يذكره عندالملك ‏{‏أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ‏}‏ أنا أخبركم به عمن عنده علمه ‏{‏فَأَرْسِلُونِ‏}‏ وبالياء يعقوب أي فابعثوني إليه لأسأله فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 48‏]‏

‏{‏يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏46‏)‏ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ‏(‏47‏)‏ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق‏}‏ أيها البليغ في الصدق وإنما قال له ذلك لأنه ذاق وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أوَّل ‏{‏أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس‏}‏ إلى الملك وأتباعه ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ فضلك ومكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك ‏{‏قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ‏}‏ هو خبر في معنى الأمر كقوله‏:‏ ‏{‏تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر وتجاهدون‏}‏ الصف‏:‏ 11‏)‏ دليله قوله ‏{‏فذروه في سنبله‏}‏ وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في وجود المأمور به فيجعل كأنه موجود فهو يخبر عنه ‏{‏دَأَبًا‏}‏ بسكون الهمزة وحفص يحركه وهما مصدرا دأب في العمل، وهو حال من المأمورين أي دائبين ‏{‏فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ‏}‏ كي لا يأكله السوس ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ‏}‏ في تلك السنين ‏{‏ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ‏}‏ هو من إسناد المجاز جعل كل أهلهن مسنداً إليهن ‏{‏مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ‏}‏ أي في السنين المخصبة ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ‏}‏ تحرزون وتخبئون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 50‏]‏

‏{‏ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ‏(‏49‏)‏ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ‏}‏ أي من بعد أربع عشرة سنة عام ‏{‏فِيهِ يُغَاثُ الناس‏}‏ من الغوث أي يجاب مستغيثهم، أو من الغيث أي يمطرون يقال‏:‏ غيثت البلاد إذا مطرت ‏{‏وَفِيهِ يَعْصِرُونَ‏}‏ العنب والزيتون والسمسم فيتخذون الأشربة والأدهان‏.‏ ‏{‏تعصرون‏}‏ حمزة فأول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب‏.‏ والعجاف واليابسات بسنين مجدبة‏.‏ ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركاً كثير الخير غزير النعم، وذلك من جهة الوحي‏.‏

‏{‏وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول‏}‏ ليخرجه من السجن ‏{‏قَالَ ارجع إلى رَبّكَ‏}‏ أي الملك ‏{‏فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة‏}‏ أي حال النسوة ‏{‏التاى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ‏}‏ إنما تثبت يوسف وتأنى في إجابة الملك وقدم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما رمي به وسجن فيه لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده ويجعلوه سلماً إلى حط منزلته لديه ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، وقال عليه السلام «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرت الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة» ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن ‏{‏إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ‏}‏ أي إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن عليه‏.‏ فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة المقطعات أيديهن ودعا امرأة العزيز ثم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 53‏]‏

‏{‏قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏51‏)‏ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ‏(‏52‏)‏ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏53‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ لهن ‏{‏مَا خَطْبُكُنَّ‏}‏ ما شأنكن ‏{‏إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ‏}‏ هل وجدتن منه ميلاً إليكن ‏{‏قُلْنَ حَاشَ للَّهِ‏}‏ تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله ‏{‏مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء‏}‏ من ذنب ‏{‏قَالَتِ امرأت العزيز الئن حَصْحَصَ الحق‏}‏ ظهر واستقر ‏{‏أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين‏}‏ في قوله ‏{‏هي روادتني عن نفسي‏}‏ ولا مزيد على شهادتهم له للبراءة والنزاهة واعترافهن على أنفسهن إنه لم يتعلق بشيء مما قذف به‏.‏

ثم رجع الرسول إلى يوسف وأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وشهادتها على نفسها فقال يوسف ‏{‏ذلك‏}‏ أي امتناعي من الخروج والتثبت لظهور البراءة ‏{‏لِيَعْلَمَ‏}‏ العزيز ‏{‏أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب‏}‏ بظهر الغيب في حرمته، و‏{‏بالغيب‏}‏ حال من الفاعل أو المفعول على معنى وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني، أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز ‏{‏وَأَنَّ الله‏}‏ أي وليعلم أن الله ‏{‏لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين‏}‏ لا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها‏.‏ ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكياً وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال ‏{‏وَمَا أُبَرّئ نَفْسِى‏}‏ من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال، أو في هذه الحادثة لما ذكرنا من الهم الذي هو الخطرة البشرية لا عن طريق القصد والعزم ‏{‏إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء‏}‏ أراد الجنس أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه لما فيه من الشهوات ‏{‏إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى‏}‏ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة ويجوز أن يكون ما رحم في معنى الزمان أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت العصمة، أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، وقيل‏:‏ هو من كلام امرأة العزيز أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت ‏{‏ما جزاء من أراد بأهلك سوءأً إلا أن يسجن‏}‏ وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إلا نفسها رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف ‏{‏إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت وإنما جعل من كلام يوسف ولا دليل عليه ظاهر لأن المعنى يقود إليه‏.‏ وقيل‏:‏ هذا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله ‏{‏ذلك ليعلم‏}‏ متصل بقوله ‏{‏فاسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن‏}‏‏.‏